الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

264

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الحضور عنده عملا بقوله : وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ [ النمل : 31 ] . ثم يحتمل أن يكون سليمان قال ذلك بعد أن حطت رحال الملكة في مدينة أورشليم وقبل أن تتهيّأ للدخول على الملك ، أو حين جاءه الخبر بأنها شارفت المدينة فأراد أن يحضر لها عرشها قبل أن تدخل عليه ليريها مقدرة أهل دولته . وقد يكون عرشها محمولا معها في رحالها جاءت به معها لتجلس عليه خشية أن لا يهيئ لها سليمان عرشا ، فإن للملوك تقادير وظنونا يحترزون منها خشية الغضاضة . وقوله : آتِيكَ يجوز أن يكون فعلا مضارعا من أتى ، وأن يكون اسم فاعل منه ، والباء على الاحتمالين للتعدية . ولمّا علم سليمان بأنها ستحضر عنده أراد أن يبهتها بإحضار عرشها الذي تفتخر به وتعده نادرة الدنيا ، فخاطب ملأه ليظهر منهم منتهى علمهم وقوتهم . فالباء في بِعَرْشِها كالباء في قوله : فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ [ النمل : 37 ] تحتمل الوجهين . وجملة : قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا مستأنفة ابتداء لجزء من قصة . وجملة : قالَ عِفْرِيتٌ واقعة موقع جواب المحاورة ففصلت على أسلوب المحاورات كما تقدم غير مرة . وجملة : قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أيضا جواب محاورة . ومعنى عِفْرِيتٌ حسبما يستخلص من مختلف كلمات أهل اللغة أنه اسم للشديد الذي لا يصاب ولا ينال ، فهو يتّقى لشره . وأصله اسم لعتاة الجن ، ويوصف به الناس على معنى التشبيه . و الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ رجل من أهل الحكمة من حاشية سليمان . و مِنَ في قوله : مِنَ الْكِتابِ ابتدائية ، أي عنده علم مكتسب من الكتب ، أي من الحكمة ، وليس المراد بالكتاب التوراة . وقد عدّ في سفر الملوك الأول في الإصحاح الرابع أحد عشر رجلا أهل خاصة سليمان بأسمائهم وذكر أهل التفسير والقصص أن : الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ هو « آصف بن برخيا » وأنه كان وزير سليمان . وارتداد الطرف حقيقته : رجوع تحديق العين من جهة منظورة تحول عنها لحظة . وعبر عنه بالارتداد لأنهم يعبرون عن النظر بإرسال الطرف وإرسال النظر فكان الارتداد استعارة مبنية على ذلك .